بعد غياب وبعد هجران طويل وصدّ دائم ها هو الآن قد عاد، عاد وكله شوق لسماع صوتها، لقد كان الهمّ والغمّ الذي غرقَ فيهما قد أعياه، ما عاد يتحمل المشاق والمصائب التي انهالت على عاتقه مرة واحدة، لكن كرامته فوق كل شيء، كرامته بين أهله وأصدقائه كانت فوق كل شيء، أمّا (هي) فقد علم أنه ما كان عليه أن يتركها، لقد أدرك الآن أنه بحاجتها وأنها بالنسبة له الملاذ الأخير…
تفاجأتْ من سؤاله عنها، من لهفته إليها، لم يسبق وأن عَهدتْ منه أن يبحث عنها فقد كانت هي دائمة البحث عنه، وكان هو دائم الصد، في آخر خلاف بينهما نبذها، تركها لوحدها تذرف الدمع على فقدانه، أخبرها بأن كلامها الذي صدر منها كان بمثابة الضربة القاضية التي قصمت ظهره، حاولتْ إرجاع الأمور لسابق عهدها، أرادت أن تسترد حبه لكنه أبى، انتظرتْ حتى تهدأ الأمور وتخف حدة الغضب لديه، ثم حاولتْ أن تعيد المياه إلى مجاريها، إلا أنه ما عاد كما كان، ما عاد ذلك الرجل الذي أحبته في البدء، أرادت أن تخفف من حدة الألم لهذا الوضع وأن تبقى على صلة طيبة بينهما، إلا أنه لم يكن لديه النية لأن يكون على اتصال بها، أحست هي بذلك ولعل دافع الشفقة على حالها هو ما جعله يقبل بأن يكونا على اتصال وأن تعلم بأخباره، انتابها شعور الندم كونها فكرت أن هذا الأمر سيساعدها على استرداده، فمن خلال برود تعامله معها فهمت وأدركت أنه بالفعل ما عاد كما كان، ورويداً رويداً هي أيضا ما عادت تهتم للأمر كما كانت تفعل في السابق.. "أصبحنا شبه غريبين" هكذا قالت في نفسها.
لولا أن ما حدث ذلك اليوم كان الخبر المفاجئ: لقد بثها شوقه ولهفته لسماع صوتها، أراد أن يحدثها عن همومه ويفتح قلبه لها أخيراً، همومه وأحزانه التي تراكمت عليه جعلته أسيراً للصمت والحيرة لدرجة تمني الموت، وتحت هذا الكم الكبير من الضغوطات التي كبست على أنفاسه وضيقت عيشه، أتاها يخبرها أنها ملاذه الأخير للبوح بما يثقل كاهله، أخبرها عن المشاكل التي توالت عليه وعلى أهله، وعليه (هو) بالذات، وأن الوضع الصحي والمادي متأزم، حتى غرق في دين علـّق عليه آمالاً كبيرة في أن ينجز من خلاله أعمالاً كثيرة تمكنه من تسديد ما عليه، إلا أن هذه الآمال تبخرت في الهواء، المستقبل الذي علـّق عليه هذه الآمال قد دمّره الحاضر بواقعه المرير، وها هو الدائن يطالب بدينه، وهوَ بلا عمل ووالده مريض ودكان الأخير عائداته محدودة وبالكاد تكفي لتغطي المصاريف التي تحتاجها عائلته المكونة من أم وأربعة شقيقات، كل المسؤولية ملقاة الآن على عاتقه، وهو شعر بالاختناق.. بالموت البطيء..
حقيقة الأمر أنها تعجبت منه حين صرح لها بأنها ستخفف من آلامه وهمومه، لم ينتابها شعور السعادة التي توقعت من نفسها أن تشعر بها حين أراد أن يحادثها أخيراً، كانت هي دوما من تحاول دفعه لمحادثتها، وهو كان دوماً قليل الكلام وكتوماً للغاية وبالكاد لديه ما يقول وكأنما يشير إلى أنه ما من شيء بيننا لنتحدث عنه، حين أخبرته بحبها وشوقها له وتمنيها لعودتهما لبعض قال لها "ما نفع هذه المشاعر إن كان ارتباطنا مستحيلاً!"، عبارة يأس من الوضع الذي كانا عليه، فالأمل بابه موصود، ومع ذلك لم ترغب بأن تكون مجرد ذكرى يتخللها الألم، "فلنكن أصدقاء إذن، أو على الأقل لنكن طيبين حيال بعضنا دون أي مبالغة"، وافق على ذلك لأنها رغبت بذلك رغم أنه بدا حينها غير مقتنع، أما بعد الذي أخبرها به الآن أحست كأن هناك هاتفاً يقول لها: "انتبهي! ولا تنخدعي بادعائه أنك ستخففين من آلامه وهمومه فهو لم يكن يوماً لكِ!…هو لم يكن يوماً لكِ!" لكن عقلها أبى إلا أن يرى ما سيحدث لو أنها اقترحت عليه أن تقدم يد المساعدة، فهي تعلم جيداً أنه فطن وذكي، إلا أن هذين الأمرين يمكن أن تقل حدتهما تحت مثل هذه الظروف الصعبة:
- وكم هو المبلغ الذي اقترضته من ذلك الرجل؟
- ما يقارب الثلاثة ألاف ريال.
- ألم تقل بأنه صديق لك؟ كيف يطالبك بالمبلغ ويضغط عليك ويهددك؟
- حقيقة الأمر أنه لم يكن صديقاً بمعنى الصديق فمعرفتي به قليلة، ولم أتوقع منه أن يكون فظاً بهذا الشكل، لكن وكما تعلمين فإن الأوضاع الحالية متأزمة لدى الجميع وليس انا فحسب، ارتفاع الأجور وارتفاع الأسعار والأزمة الإقتصادية، كل ذلك أثر على كل بيت في الجوار!
- ما كان عليك أن تستدين وأنت على هذا الحال وهذا الوضع.
- ما عساي أن أفعل إن كنت مضطراً وقتها لأغطي مصاريف دراسة شقيقاتي، كما وأني توقعت أن أجني من المال ما يكفي لأسدد ديني وأعيل أهلي، أما الآن إما الموت أو أن أصبح "فضيحة" على الملأ!
- ألهذا أتيت تشكو همك إلي؟
- نعم، لعلمي أنكِ ستستمعين إلي وسامحيني لو أثقلت عليكِ بشكواي..
- ماذا عن بقية أصدقائك وأقربائك: أليس بوسع أحد منهم فعل شيء لإخراجك من هذه الورطة؟
- إن علاقة عائلتي بأقربائنا لم تعد كما كانت فقد حدثت مشاكل عائلية كثيرة بسببهم، وأصدقائي بودهم مساعدتي لكن ليس بحيلتهم شئ حيال هذا المبلغ الكبير من المال، وقد أخبرتك أن الأوضاع المادية لدينا ولدى الجميع هنا متردية.
- إن كان الأمر كذلك… ربما يمكنني أن أقرضك المبلغ الذي تحتاجه وذلك من باب المساعدة…
صمتت بعدها وهي في قرارة نفسها ترجوا أن يقابل عرضها بالرفض حفاظاً على كرامته، وأنه ما قال لها كل ذلك إلا لأنه بالفعل كان بحاجة إلى من ينصت إلى شكواه ويقدم إليه المشورة:
- ألهذه الدرجة تحبينني؟
- مشاعري وأنت أدرى بها، المهم الآن حلّ الوضع المحرج الذي أنت فيه
- لا أدري ما أقول..
- هل ستقبل مساعدتي؟ نعم أم لا؟
- كنت أخشى أن تعرضي عليّ مثل هذا الأمر، ولا أريدك أن تضيقي على نفسك لأجلي…
- سوف أتمكن من تسديد هذا المبلغ عنك، فالحمد لله الوضع المادي لدي في حال جيد، فما هو قولك؟ هل لديك حساب مصرفي حتى أودع لك فيه المبلغ؟
- في الواقع.. كلا! لا أملك حساباً مصرفياً، ألا يمكن أن تحرري شيكا؟
- لا أملك دفترا للشيكات إضافة لأني لا أحبذ إرسال الشيك بال












المقاطعة








