احتواها بين يديه، كطفل يضم أغلى ما ملك إلى صدره لا يريد لغيره أن يلمسها أو حتى الاقتراب منها، كل ما يجول بخاطره أنها له وحده فقط: أحجية مركبة، ضمها وقبلها فرحا وما فترت عيناه من تأملها صباحا ومساء، فهي بالنسبة له أغلى ما ملك، فمن بين تلك الأحاجي المتراصة عنده كانت هي الأحجية الأثيرة، وأكثرهن جمالا وتعقيدا، إنها بلونها اللؤلؤي الزاهي غدت جوهرة، وبرائحتها العطرة أجمل من عطور الورود، وتلك التقاسيم البارزة والمتراصة في كينونتها بدت متناسقة، إضافة إلى شريط ذهبي تدلى من إحدى زواياها وقد ربط في طرفه خلخال صغير مذهب، إنها أحجية ليست كبقية الأحاجي.
في معرض الألغاز وجدها متفككة إلى نصفين وأولئك الصبية محتارون في حلها، والبائع أخذ يتباهى بما فيها من تعقيدات يصعب حلها إلا على الأذكياء، و (هو) من محبي الأحاجي العجيبة فكانت تلك بمثابة التحدي الكبير بالنسبة له، سأل البائع عن جائزته إن (هو) حلها، فأخبره بأن له ما شاء إن تمكن من تركيبها، ابتسامة الثقة أثلجت صدره لهذا الجواب فأمسك بالقطعتين المنفصلتين، وأمعن النظر فيهما محاولا إيجاد المداخل المناسبة لربط القطعتين، لم تكن هناك أي مداخل ولا حتى روابط، عجبا! أي نوع من الأحاجي تكون هذه الأحجية؟ عصر ذهنه وأخذ يقلب القطعتين بين يديه ثم لمعت في عينيه بريق فكرة دفعته لأن يمسك بكل قطعة على حده ويقلب زواياها، ومن ثم اكتشف سرها، فأسرع وتمكن من تركيبها بخفة.
نظر إلى البائع والدهشة بادية على وجهه، ابتسم له مطالبا بجائزته، فأشار له البائع أن ينتقي من الأحاجي ما يشاء، فوقع اختيار الفتى على الأحجية التي بين يديه، تردد البائع في إعطائها له لأنها كانت الوحيدة والأخيرة، قال له: "يا بني هذه الأحجية ليست كغيرها من الأحاجي وما قمت به عمل رائع، لكن هذا لا يكفي حتى تمتلك أحجية نادرة كهذه!" رد الفتى عليه: "أخبرتني إن حللتها فلي أن أختار ما أشاء من الأحاجي وأنا قد اخترتها!" قال: "حقيقة الأمر يا بني أن مالكها السابق قد تركها عندي ثم اختفى بعدها"، قال: "إن هو تركها ولم يعد فهي لم تعد ملكا له وبما أني حللتها فإني أريدها لا سواها" وأمام إصرار الفتى أعطاه إياها رغم تردده خوفا من أن يعود صاحب الأحجية السابق.
كم كانت سعادته عامرة لظفره بها، الأحاجي الجميلة والمميزة هي للأذكياء فقط، وهي لحماقة أن يتخلى عنها أحد أو تقع بين يدي شخص لا يجيد التعامل معها، "أي أحمق يتخلى عن أحجية كهذه؟! لكنها الآن لي وحدي، وأنا الجدير بها!"، أخذ يتأمل حوافها المدببة والتي أخذت تلمع تحت الضوء المتسلل إلى داخل الغرفة، بدت تحفة غاية في الروعة وكأنها لؤلؤة فريدة من نوعها، وضعها بعناية في كيس مخملي وأدخلها في صندوق فضي لا يحفظ فيه سوى أثمن الأشياء عنده. وغادر الغرفة.
كان الصندوق يقع على رف رُصَّـت فيه بقية الأحاجي، من بينها أحجية سداسية بدت جميلة لكن غريبة الشكل، تحركت هذه الأحجية السداسية من مكانها وتدحرجت حتى وصلت إلى الصندوق، تفككت أجزاؤها وتحولت إلى ما يكون أشبه بلعبة متحركة لها ساقين، طرقت الأحجية السداسية الصندوق وكأنها تنتظر ردا، ثم أعادت الطرق بقوة أكبر، حينها اهتز الصندوق في مكانه، ثم مالبث أن انفتح الغطاء ليخرج منه بريق أضاء رف الأحاجي، كان ذلك بريق الأحجية اللؤلؤية












المقاطعة




