نظرية ما بعد الكولونيالية : المقاومات والنقد
* أزراج عمر
هنالك عدد كبير من المؤلفات الصادرة ببلداننا وبأقلام كتابنا بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والأدبية حول العلاقات بين الغرب الامبريالى والاستعمارى وبيننا، ولقد مست هذه المؤلفات مجالات الهوية الثقافية بتفرعاتها التاريخية واللغوية، ومجالات الاقتصاد والاجتماع، وفى السنوات الأخيرة من القرن العشرين برزت اتجاهات أخرى ببلداننا مثل الاتجاه الذى اضطلع بما يسمى بالغزو الثقافى والاتجاه الذى كرس نفسه لنقد الاستشراق ، بعد أن دشنه الكاتب الفلسطينى إدوارد سعيد بشكل أكثر دراماتيكية ، علما أنه كانت ثمة كتابات سبقته مثل كتابات أنور عبدالمالك وعبدالله العروى ومالك بن نبى وغيرهم .
إلى جانب ذلك طفح إلى السطح اتجاه آخر ، كرس جبهة لنقد أنماط الاستغراب والدعوات إليه من قبل مثقفين وسياسيين ببلداننا ، ويمكن هنا إضافة اتجاه آخر ، يتمثل فى المبدعين فى مجال النقد الاجتماعى والرواية والقصة والتاريخ ، وقد اهتم ولا يزال بعكس آثار الاستعمار على مجتمعاتنا وأبنيته المتنوعة وعلى النفسية الفردية والجماعية ، ومن هنا يمكن لنا أن نقول إن هذا الزخم من الكتابات والخطابات السياسية أيضاً ، ما فتئ يحاول أن يفك ارتباطنا بالمراكز الاستعمارية سابقا ، وبعلاقات السيطرة والهيمنة لمرحلة ما بعد الاستعمار ، أو ما بعد الاستقلال. وفى الواقع فإن هذه الاتجاهات المذكورة ، ربما تتفق بأنه من الضرورى التمييز ما بين مفهوم ما بعد الاستعمار وبين مفهوم ما بعد الاستقلال ، لأنهما لا يعنيان شيئا واحدا وموحداً.
إن مفهوم ما بعد الاستعمار ، لا يعنى أن البلدان المستعمرة سابقا ، قد تخلصت من آثار المستعمر ، سواء كانت ثقافية أو لغوية أو اقتصادية أو عسكرية أو صناعية ، أو كل ذلك مجتمعاً ، إن مفهوم ما بعد الاستقلال يتميز بأنه يدل على خلو البلدان المستعمرة سابقا من الجيوش التى كانت تحتلها فقط ، أى الاستقلال هو رديف لإحلال الدولة ـ الأمة محل المستعمر ، دون أن يتجاوز ذلك إلى معاينة شكل ومضمون تلك الدولة ـ الأمة ومدى تطابقها الكامل مع التاريخ الخاص بنسيجها ، وهويتها المفترض أنها متميزة ومتناظرة مع ذاتها بنسبة معينة ، وهنا نطرح هذا السؤال ، لماذا لم تنجح بلداننا على مدى أكثر من أربعة عقود من عمر خروج الجيوش المحتلة لها من فك الارتباط مع المستعمر السابق !؟ هل يعود ذلك إلى غياب نظرية نزع الاستعمار عندنا ، أم يعود ذلك إلى عدم إعمال النظرية ، أم إلى فشل النظرية المستخلصة من أيديولوجيات الكفاح المسلح ، لأنها لا تلائم الظروف الجديدة ، التى هى شروط ما بعد الاستعمار؟ وعلى أية حال ، فإننا لا نستطيع حقا أن نجيب عن أى سؤال من هذه الأسئلة إلا بعد أن نعرف نظرية ما بعد الاستعمار.
التعريف والتحديد
فى قاموسه أفكار ومفكرون ، يعرف الباحث كريس دوهمان نظرية ما بعد الكولونيالية بأنها حركة فى النقد الاجتماعى والأدبى التى ترد على آثار الامبريالية الأوروبية على الشعوب المستعمرة ، إن ما بعد الكولونيالية تقدم سردية مضادة تتصل بالشعوب المستعمرة سابقاً ، أو تسرد بالوكالة عن خصومها ؟ وذلك بشأن الافتراضات المتمركزة إثنياً فى الثقافة الغربية ، ويضيف هذا الباحث موضحا ، ان دلالة مصطلح ما بعد الكولونيالية لا تتضمن فقط بعد المرحلة الاستعمارية بل إنها مقاربة نقدية أيضاً التى تبرز من الاستعمار لتصارع أسسه.
إذا كانت ما بعد الكولونيالية مقاربة نقدية ، فذلك أنها لا تنتقد الافتراضات الغربية المتمركزة إثنياً على أساس أن الشعوب الغربية الآرية أكثر مدنية وتحضرا وديمقراطية وعقلانية من الشعوب المستعمرة سابقا فقط ، إنما يمتد نقد هذه المقاربة إلى مرحلة ما بعد الاستقلال ، لأن هذه الحقبة القصيرة من حيث المدى الزمنى لا تمثل قطيعة تامة مع آثار وكدمات ، أو لنقل التأثيرات النفسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية التى تعرضت لها الشعوب المستعمرة فى العالم الثالث على مدى مئات السنين ، والدليل على ذلك ، أن مجتمعات هذا العالم لا تزال تابعة للمراكز الغربية على مستوى جميع النواحي، وبالتالى فإن بعضها لا يزال يعانى من الاستعمار الغربى العسكرى المباشر.
إن فحص الهياكل السياسية ببلدان العالم الثالث وأيديولوجيات الحكم ، تظهر إما هى استمرار لهياكل وأبنية الاستعمار السابق ، أو هى مزج بينها وبين بعض الأبنية القديمة ، التى كانت قائمة قبل بروز وانتشار ظاهرة الاستعمار الأوروبى وفى أحيان أخرى ، فإن هذه البلدان بالعالم الثالث ، تلجأ إلى عمليات تتميز بالتقلبات فى تكريس هذه الهياكل وتلك لفترة زمنية ومن ثم تعوض بأخرى ، وفقا لأمزجة ومصالح الأنظمة التى تتعاقب على السلطة فى مدى زمنى قصير قياسى ، أو فى مدى زمنى طويل قياسى آخر، والحال فإن التبدلات التى حدثت والتى تحدث ، تتميز غالبا بالعشوائية وبتغليب الهاجس السياسى على ما اسماه بالاستراتيجية الثقافية التى تترجم طموحات المجتمع.
إن هذه التطبيقات لنظرية ما بعد الكولونيالية سقطت ضحية الانتقائية حيناً، والبراغماتية السياسية الشللية حيناً آخر ، وفى الخلاصة يمكن الاستنتاج بأنها نظرية عاطلة ومتناقضة داخلياً إلى حد أن الأطراف المكونة لمعادلتها ولمعماريتها تصيب بعضها البعض بالكدمات مما أفرز عدم الفاعلية.
نظرة فى الممارسة
إننى سأعمم أثناء استعراضى للممارسات التى تمت فى أغلب بلدان العالم الثالث فى حقبة ما بعد الاستقلال ، ولا أقول ما بعد الاستعمار ، لأن الاستعمار الجديد متضمن فيه وحاضر فى بنياته ، بادئ ذى بدء ، لابد من حصر بعض العناصر الأساسية التى عدت ولا تزال تعد بأنها تمثل تجليات ورواسب الاستعمار، هناك:
1 ـ التشويه الاستعمارى للتاريخ.
2 ـ موروث الإدارة الاستعمارية.
3 ـ وجود لغة المستعمر كأداة للتخاطب والتسيير الإدارى والاقتصادى ، كوسيلة للإنتاج الأدبى والفنى والفكرى والإعلامي، وبالتالى كناظم للعلاقات وللنفسيات وللترابيات الاجتماعية.
4 ـ النموذج












المقاطعة





